ظلت الزراعة لعقود ركيزة أساسية للاقتصاد المصري، لكن كاتب التقرير في فاست كومباني الشرق الأوسط يوضح أن حصة القطاع من الناتج المحلي الإجمالي تراجعت بصورة حادة، بعدما بلغت ذروتها عند 28.81% عام 1974، لتصل إلى 11% فقط في 2025، وفق بيانات البنك الدولي.
ورغم ارتفاع القيمة المضافة للزراعة من 1.27 مليار دولار عام 1965 إلى 42.25 مليار دولار عام 2020، فإن القطاع لم يواكب نمو القطاعات الأخرى، وأصبح يمثل حصة أصغر بكثير من الاقتصاد المصري.
ويبحث فاست كومباني الشرق الأوسط في أسباب تراجع مكانة الزراعة داخل الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى مزيج من أنماط استخدام الموارد، والتحولات في السياسات الاقتصادية، والتحديات البيئية والمناخية التي تضغط على القطاع وقدرته على تحقيق النمو.
السياسات والاستثمارات.. لماذا تتراجع حصة الزراعة؟
يرى عاطف أندراوس، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بكلية التجارة في جامعة الإسكندرية، أن تراجع حصة الزراعة يرجع أساسًا إلى تحولات هيكلية طبيعية مرتبطة بالتوسع العمراني، والنمو الأسرع في قطاعات الصناعة والخدمات مثل السياحة والعقارات والاتصالات، وتفتت الأراضي الزراعية، إلى جانب نمو السكان بوتيرة تفوق توسع الرقعة الزراعية.
ويشير أندراوس أيضًا إلى أن سياسات الانفتاح الاقتصادي والتحرير الاقتصادي التي بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي وجهت الاستثمارات نحو قطاعات تحقق أرباحًا أعلى وتتميز بسرعة دوران رأس المال، ومن بينها العقارات والسياحة.
لكن لا ينبغي تفسير تراجع حصة الزراعة من الاقتصاد باعتباره فقدانًا لأهميتها الاقتصادية أو الاستراتيجية، وفق الدكتورة دعاء سليمان، أستاذ بحوث الاقتصاد الزراعي بمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي التابع لمركز البحوث الزراعية في مصر.
وتقول سليمان إن هذا التراجع يعكس بدرجة كبيرة توسع القطاعات الأخرى والتحول الأوسع في هيكل الاقتصاد المصري، بينما ظلت الزراعة قطاعًا إنتاجيًا واستراتيجيًا أساسيًا.
وترتبط الزراعة ارتباطًا وثيقًا بالأمن الغذائي، والتوظيف، ودخول سكان الريف، والصناعات الغذائية، وسلاسل القيمة، والتجارة.
وتوضح سليمان أن تأثير الاستثمار الزراعي يتجاوز مساهمته المباشرة في الناتج الاقتصادي، إذ أظهرت دراسات التنمية أن توجيه استثمارات أكبر إلى الزراعة يمكن أن يكون له تأثير قوي بصورة خاصة في خفض الفقر وتحسين دخول سكان الريف مقارنة بالاستثمار في بعض القطاعات الأخرى.
ورغم ذلك، حصلت الزراعة تاريخيًا على استثمارات تقل عن مستوى أهميتها الاستراتيجية وإمكاناتها الاقتصادية. وظلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع لأ فترات طويلة أقل من 1% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
وترى سليمان أن ذلك يكشف فجوة مهمة بين الأهمية الاستراتيجية للزراعة وقدرتها على جذب رأس المال والاستثمارات الإنتاجية بالحجم اللازم لإطلاق كامل إمكاناتها.
وتزيد القيود الهيكلية، ومنها محدودية الحصول على التمويل الملائم وضعف البنية التحتية والخدمات الزراعية، من حدة فجوة الاستثمار.
أزمة المياه والمناخ تهدد مستقبل الزراعة المصرية
يقول عبدالرحمن ياسين، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة جرينفيلدز للتكنولوجيا الزراعية، إن ندرة المياه وإدارتها تظلان من أكبر التحديات الهيكلية التي تواجه الزراعة في مصر.
ويضيف ياسين أن المزارعين اعتمدوا في الماضي على الري بالغمر، ما أدى إلى تدهور الأراضي وحظر تصدير بعض المحاصيل.
ويشكل تغير المناخ تحديًا رئيسيًا آخر، إذ يخفض الإنتاجية الزراعية. وتؤثر تقلبات الطقس مباشرة في المحاصيل، فتجعلها أكثر عرضة للأمراض الفطرية، ما يخفض الإنتاجية ويرفع تكلفة مكافحة الآفات.
ويوضح ياسين أن التقنيات الزراعية الحديثة، ومنها محطات الطقس التي تستخدمها الشركات الكبرى، توفر حاليًا توقعات جوية تمتد لعشرة أيام، ما يساعد المزارع الكبيرة على حماية محاصيلها والحفاظ على مستويات الإنتاجية.
لكنه يشير إلى أن هذه التكنولوجيا مرتفعة التكلفة ولا تزال متاحة للشركات الكبرى فقط، داعيًا الدولة إلى التدخل لمساعدة صغار المزارعين على الوصول إلى أدوات مماثلة.
ويقدر أندراوس نصيب الفرد في مصر من المياه من المصادر العذبة وغير التقليدية حاليًا بنحو 771 مترًا مكعبًا سنويًا. وتعتمد مصر على نهر النيل في توفير أكثر من 98% من احتياجاتها المائية، بينما أضاف سد النهضة الإثيوبي الكبير ضغوطًا جديدة على استقرار حصة مصر المقدرة من مياه النيل بنحو 55.5 مليار متر مكعب.
ويبلغ إجمالي الطلب المحلي على المياه نحو 88.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما يتطلب معيار الفقر المائي الذي تحدده الأمم المتحدة توفير 112 مليار متر مكعب أو أكثر، بحسب حجم السكان. ويقارن ذلك بموارد متجددة تقليدية لا تتجاوز 65.3 مليار متر مكعب، تشمل حصة مصر من مياه النيل والمياه الجوفية العذبة والأمطار.
وتعالج مصر جزءًا من هذه الفجوة عبر إعادة استخدام نحو 23.2 مليار متر مكعب من مياه الصرف الزراعي المعالجة سنويًا، وفق بيانات يناير 2026. وتظل الزراعة أكبر مستهلك للمياه، إذ تستحوذ على 82% من إجمالي استهلاك المياه من المصادر التقليدية وغير التقليدية.
ويلفت أندراوس كذلك إلى تدهور الأراضي نتيجة الإفراط في استخراج المياه الجوفية، والاستخدام المكثف للأسمدة والمبيدات، واستمرار الاعتماد على الري بالغمر. وتسهم هذه الضغوط في ارتفاع ملوحة التربة في دلتا النيل، التي تضم أكثر من ثلث الأراضي الزراعية في مصر.
ويشكل ارتفاع مستوى سطح البحر تهديدًا مباشرًا لشمال الدلتا، إذ يزيد ملوحة التربة ويضعف القدرة الإنتاجية الزراعية للمنطقة. ويحذر أندراوس من أنه إذا استمرت الأوضاع على حالها، فمن المتوقع أن تنخفض إنتاجية المحاصيل الغذائية بأكثر من 10% بحلول عام 2050.
وتعتبر سليمان تدهور الأراضي تحديًا مستقلًا يؤثر مباشرة في استدامة الموارد الزراعية المصرية.
وتقول، إن حماية الأراضي الزراعية لا تقتصر على منع التعديات، بل تتطلب أيضًا استثمارات مستمرة في خصوبة التربة، وشبكات الصرف، وكفاءة الري، وإجراءات الحد من الملوحة وغيرها من أشكال التدهور.
ويمكن أن تسهم تحديثات نظم الري، وتأهيل الترع وتبطينها، وتحسين شبكات الصرف، ومعالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها بصورة آمنة، في حماية الأراضي ورفع كفاءة استخدام المياه.
لكن ضعف البنية التحتية والخدمات في المناطق الريفية، بما يشمل الطرق والنقل والتخزين وسلاسل التبريد والطاقة والصرف الصحي والخدمات الرقمية والإرشاد الزراعي، قد يحد من قدرة المزارعين على الوصول إلى الأسواق والتمويل.
وتوضح سليمان أن الطرق والنقل ومرافق التخزين وسلاسل التبريد والطاقة والصرف الصحي والخدمات الرقمية والإرشاد الزراعي ليست عناصر منفصلة عن الإنتاج الزراعي، بل تمثل جزءًا من البنية التحتية الاقتصادية التي تحدد قدرة المزارعين على الوصول إلى الأسواق والحصول على التمويل وتحقيق قيمة أكبر من إنتاجهم.
لذلك تحتاج مصر إلى نهج أكثر تكاملًا لإدارة الموارد والاستثمار والتنمية الريفية، يركز على رفع إنتاجية الأرض والمياه، وتقليص المخاطر، وزيادة دخول المزارعين، وتعزيز سلاسل القيمة الزراعية، وفق سليمان.
ماذا تشتري الاستثمارات الخليجية في الزراعة المصرية؟
تتمثل أكثر الاستثمارات الخليجية تأثيرًا في القطاع الزراعي المصري في المشروعات التي تدمج الإنتاج مع البنية التحتية والتصنيع والتصدير، بدلًا من التركيز على الاستحواذ على الأراضي وحده.
ويهدف مشروع الدلتا الجديدة، الذي تقدر قيمته بنحو 15 مليار دولار، إلى تحويل 2.2 مليون فدان من الأراضي الصحراوية غرب النيل إلى أراضٍ زراعية، بما يفتح المجال أمام استثمارات القطاع الخاص في البنية التحتية والإنتاج والتصنيع والنقل والتخزين والتعبئة.
ويقول أندراوس إن المشروع من المتوقع أن يوفر عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة في قطاعات الزراعة والري والهندسة، إلى جانب فرص عمل غير مباشرة في سلاسل الإمداد والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية. لكنه يشير إلى أن استدامة الموارد المائية والتمويل اللازم لاستكمال المشروع يظلان من أكبر التحديات التي تواجهه.
ويلفت أندراوس أيضًا إلى شراكة استثمارية زراعية إماراتية مصرية بقيمة مليار دولار، تستحوذ الإمارات فيها على 70% مقابل 30% لمصر، إلى جانب استثمارات خليجية بمليارات الدولارات في إنتاج الثروة الحيوانية واستصلاح الأراضي في توشكى وشرق العوينات.
ويقول إن التأثير الأكبر في رفع الإنتاجية ودعم المزارعين وتوفير فرص العمل في المناطق الريفية يتحقق عبر الاستثمارات التي تشمل التصنيع الغذائي بالقرب من مناطق الإنتاج، ونظم الري الحديثة المشتركة، وسلاسل التبريد والتخزين بعد الحصاد، وآليات الزراعة التعاقدية التي تضمن لصغار المزارعين أسواقًا مستقرة وأسعارًا عادلة، بدلًا من التركيز فقط على الاستحواذ على أراضٍ جديدة وإدارتها بمعزل عن المجتمعات المحلية المحيطة.
ويرى ياسين أن الاستثمار الزراعي في مصر يتجه بعيدًا عن الاستحواذ على الأراضي نحو دمج الزراعة بالصناعة، بهدف تلبية الطلب العالمي وتوفير العملة الأجنبية وخلق فرص العمل.
ويضيف أن استثمارات جديدة تتجه إلى تطوير البنية التحتية للموانئ المصرية للتعامل مع كميات أكبر من المنتجات بكفاءة أعلى، وتقليل الفاقد، ومساعدة المحاصيل المصرية على الوصول إلى الأسواق العالمية بصورة أسرع وبجودة أعلى.
كما يشير إلى أهمية إنشاء مصانع على الأراضي المصرية لتوفير الخدمات الزراعية، مثل إنتاج الأسمدة والألواح الشمسية.
إصلاحات واستثمارات لاستعادة مكانة الزراعة
يرى خبراء أن إعادة الزراعة إلى موقعها كأحد المكونات الرئيسية للاقتصاد المصري تتطلب إصلاحات واستثمارات جديدة في الوقت نفسه. وتشمل الحلول التوسع في استخدام الري بالتنقيط والري بالرش، وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وتقليص زراعة الأرز وقصب السكر، وتشجيع المزارعين على العمل معًا من خلال التعاونيات والدمج الطوعي للحيازات الزراعية.
ويقترح أندراوس التكيف مع تغير المناخ عبر زراعة محاصيل تتحمل الجفاف وملوحة التربة وارتفاع درجات الحرارة. كما يوصي بزيادة زراعة القمح في المناطق الأكثر ملاءمة للظروف المناخية المتغيرة، واستخدام أصناف قصيرة الموسم في صعيد مصر، وتسريع مشروعات استصلاح الأراضي الكبرى مثل الدلتا الجديدة وتوشكى وشرق العوينات، وربطها بسلاسل التصنيع والتصدير.
وترى سليمان أن استعادة الزراعة لدورها في الاقتصاد المصري تتطلب «إعادة بناء القطاع على أساس أكثر إنتاجية وتنافسية، مع تعزيز قدرته على توليد قيمة مضافة».
وتضيف أن الأولويات ينبغي أن تشمل تعزيز الإطار المؤسسي والتشريعي للاستثمار الزراعي، وتبسيط الإجراءات، وتقليص عدد الجهات المشاركة، ووضع قواعد واضحة تحكم الأراضي الزراعية والاستثمار فيها.
وتقول سليمان، إن التمويل لا ينبغي أن يقتصر على كبار المنتجين والمستثمرين القادرين على تقديم ضمانات تقليدية، داعية إلى آليات تتيح لمجموعات أصغر إنشاء مشروعات ريفية وتنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل.
كما سيكون تحويل خريطة الاستثمار الزراعي إلى منصة متكاملة للمعلومات والخدمات خطوة مهمة. ويحتاج المستثمرون الزراعيون، سواء كانوا مزارعين صغارًا أو مستثمرين كبارًا أو مصدرين، إلى وصول سهل إلى المعلومات المتعلقة بفرص الاستثمار والأراضي المتاحة والمحاصيل والأسواق والخدمات والحوافز والتشريعات والإجراءات التنظيمية.
وتؤكد سليمان أخيرًا أن الإصلاحات ينبغي أن تشمل الاستثمار في العنصر البشري وبناء المعرفة الزراعية.
وتقول إن مصر تحتاج إلى مزارعين قادرين على تبني التقنيات الحديثة، وباحثين قادرين على إنتاج معرفة قابلة للتطبيق، ومتخصصين في الإرشاد الزراعي قادرين على نقل هذه المعرفة، ومنظمات زراعية قوية تستطيع جمع المنتجين وربطهم بالأسواق.
https://fastcompanyme.com/impact/why-agriculture-is-losing-its-place-in-egypts-economy/

